أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
42
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله : أَ حَقٌّ هُوَ . يجوز أن يكون « حَقٌّ » مبتدأ وهو مرفوع بالفاعلية سد مسد الخبر و « حَقٌّ » وإن كان في الأصل مصدرا ليس باسم فاعل ولا مفعول ، لكنه في قوة ثابت ، فلذلك رفع الظاهر ، ويجوز أن يكون « حَقٌّ » خبرا مقدما ، و « هُوَ » مبتدأ مؤخرا . واختلف في « يَسْتَنْبِئُونَكَ » هل هي متعدية إلى واحد أو إلى اثنين أو إلى ثلاثة ؟ فقال الزمخشري : « وَيَسْتَنْبِئُونَكَ » فيقولون : « أَ حَقٌّ هُوَ » فظاهر هذه العبارة أنها متعدية لواحد ، وأن الجملة الاستفهامية في محل نصب بذلك القول المضمر المعطوف على « يَسْتَنْبِئُونَكَ » : وكذا فهم عنه الشيخ أعني : تعديها لواحد ، وقال مكي : « أَ حَقٌّ هُوَ » ابتداء وخبر في موضع المفعول الثاني إذا جعلت « يَسْتَنْبِئُونَكَ » بمعنى : يستخبرونك ، فإذا جعلت « يَسْتَنْبِئُونَكَ » بمعنى : يستعلمونك كان « أَ حَقٌّ هُوَ » ابتداء وخبرا في موضع المفعولين ، لأن « أنبأ » إذا كان بمعنى « أعلم » كان متعديا إلى ثلاثة مفاعيل يجوز الاكتفاء بواحد ولا « يجوز الاكتفاء باثنين دون الثالث ، وإذا كانت « أنبأ » بمعنى : أخبر تعدت إلى مفعولين لا يجوز الاكتفاء بواحد دون الثاني ، وأنبأ ونبأ في التعدي سواء . وقال ابن عطية : « معناه : يستخبرونك وهو على هذا يتعدى إلى مفعولين ، أحدهما : الكاف ، والآخر : في الابتداء والخبر . فعلى ما قال يكون : « يَسْتَنْبِئُونَكَ » متعلقة بالاستفهام ، وأصل « استنبأ » أن يتعدى إلى مفعولين أحدهما ب « عن » تقول : استنبأت زيدا عن عمرو » أي : طلبت منه أن ينبئني عن عمرو ، ثم قال : « والظاهر أنها تحتاج إلى مفاعيل ثلاثة : أحدها : الكاف ، والابتداء والخبر سدا مسد المفعولين . قال الشيخ « 1 » : « وليس كما ذكر ، لأن استعلم لا يحفظ كونها متعدية إلى مفاعيل ثلاثة ، لا يحفظ : « استعلمت زيدا عمرا قائما » فتكون جملة الاستفهام سدت مسد المفعولين ، ولا يلزم من كونها بمعنى يستعلمونك أن تتعدى إلى ثلاثة ، لأن استعلم لا تتعدى إلى ثلاثة كما ذكرنا » قلت : قد سبق أبا محمد إلى هذا مكي بن أبي طالب ، كما قدمت حكايته عنه ، والظاهر جواز ذلك ، ويكون التعدي إلى ثالث قد حصل بالسين ، لأنهم نصوا على أنّ السين تعدى فيكون الأصل : علم زيد عمرا قائما ، ثم تقول : « استعلمت زيدا عمرا قائما ، إلّا أنّ النحويين نصّوا على أنه لا يتعدى إلى ثلاثة إلا « علم » و « رأى » المنقولين بخصوصية همزة التعدي إلى ثالث ، و « أنبأ ونبأ » وأخبر وخبر ، وحدث » . وقرأ الأعمش « الحقّ » بلام التعريف ، قال الزمخشري : وهو أدخل في الاستهزاء ، لتضمنه معنى التعويض بأنه باطل . وذلك لأنّ اللام للجنس ، فكأنه قيل : أهو الحق لا الباطل ؟ أو أهو الذي سميتموه الحق ، والضمير أعني هو عائد إما على العذاب أو على الشرع أو القرآن أو الوعيد أو أمر الساعة » . قوله : « إِي » حرف جواب بمعنى « نعم » ، ولكنها تختص بالقسم ، أي : لا تستعمل إلّا في القسم بخلاف « نعم » . قال الزمخشري : و « إِي » بمعنى « نعم » في القسم خاصة ، كما كان « هل » بمعنى « قد » في الاستفهام خاصة ، وسمعتهم يقولون في التصديق : « أيو » فيصلون بواو القسم ولا ينطقون به وحده . قال الشيخ « 2 » : « لا حجة فيما سمعه لعدم الحجة في كلام من سمعه لفساد كلامه وكلام من قبله بأزمان كثيرة » . وقال ابن عطية : « هي لفظة تتقدم القسم بمعنى : « نعم » ويجيء بعدها حرف القسم ، وقد لا يجيء ، تقول : إي وربي ، وإيّ ربي » . قوله : « وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ » يجوز أن تكون الحجازية ، وأن تكون التميمية لخفاء النصب أو
--> ( 1 ) أنظر سورة البقرة ، آية : ( 71 ) . ( 2 ) أنظر البحر المحيط ( 5 / 168 ) .